محمد أبو زهرة

2137

زهرة التفاسير

مؤجلة بعدها ، إن لم تعالج تلك الآثار . وكذلك كانت جريمة أحد ابني آدم ، فإنها جناية قد فتحت باب القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وهي جناية دلت على مكنون النفس البشرية الذي استتر فيها من غلبة الحق والحسد على بعض النفوس ، حتى طغت على كل عناصر الخير فيها ، فهي جناية آجلها وخيم كحاضرها ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تقتل نفس ظلما ، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه كان أول من سن القتل » « 1 » . و ( من ) هنا للسببية ، أي سبب هذه الجناية كان ما شرعه الله تعالى من شريعة القصاص الخالدة الباقية لدفع الشر إلى يوم القيامة ، وعبر عن السببية ب « من » ، لبيان الابتداء في الحكم ، فمع كون من أجل ذلك دالة على السببية وتشير إلى ابتداء الحكم ، وأنه مقترن بما وقع من جريمة كان لها آجل هو شر إن لم تقمع النفوس وتردع الأهواء المتغلبة الطاغية . وهنا معان بيانية تجب الإشارة إليها : أولها - في الكلمة السامية « كتبنا » ، فإنها تدل على تقرير العقاب ، وتسجيله حتى لا يقبل المحو ، فإن الواجب الذي يكتب يكون مسجلا على القراطيس ، ويبقى أثر الكتابة باقيا غير قابل للنسيان ، وفيها إضافة الفرضية والكتابة إلى الله تعالت قدرته ، وجل جلاله ، وتقدست ذاته ، وفي ذلك إشارة إلى عظمة المكتوب المفروض ، وهو شريعة القصاص فهي شريعة عظيمة تمد المجتمع بحياة هادئة مطمئنة ، إذ تحميه من أوضاره أن تتغلغل في كيانه ومن شراره من أن يتحكموا في خياره .

--> ( 1 ) عن عبد الله ( أي ابن مسعود ) رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ؛ لأنه أول من سن القتل » . متفق عليه ؛ رواه البخاري : أحاديث الأنبياء - خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ( 3336 ) ، ومسلم : القسامة والمحاربين والديات والقتل - بيان إثم من سن القتل ( 1677 ) .